الشنقيطي

254

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فهي آية على القدرة ، وقد جاء في آيات أخرى أنه تعالى هو الذي يمسك السماوات والأرض بقدرته جل وعلا ، كما في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً [ فاطر : 41 ] . فهو سبحانه ممسكهما بقدرته تعالى عن أن تزولا ، ولو قدر فرضا زوالهما لا يقدر على إمساكهما إلا هو ، وكما في قوله : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ الحج : 65 ] . تنبيه ولعل مما يستدعي الانتباه توجيه النظر إلى الطير في الهواء صافات . ويقبضن : ما يمسكهن إلا الرحمن ، بعد التخويف بخسف الأرض بأن معلقة في الهواء كتعلق الطير المشاهد إليكم ما يمسكها إلا اللّه ، وإيقاع الخسف بها ، كإسقاط الطير من الهواء ، لأن الجميع ما يمسكه إلا اللّه تعالى ، وهو القادر على الخسف بها ، وعلى إسقاط الطير . قوله تعالى : أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ [ 21 ] . يقول تعالى للمشركين : من هذا الذي غيره سبحانه يرزقكم ، إن أمسك اللّه عنكم رزقه . والجواب . لا أحد يقدر على ذلك ولا يملكه إلا اللّه . وقد صرح تعالى بهذا السؤال وجوابه في قوله تعالى : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ [ سبأ : 24 ] . أي لا أحد سواه سبحانه لا إله إلا هو ، قال تعالى : هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [ فاطر : 3 ] . وذلك لأن الذي يقدر على الخلق هو الذي يملك القدرة على الرزق ، كما قال تعالى : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ [ يونس : 31 ] . وكقوله : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [ الروم : 40 ] . وهذا من كمال القدرة على الإحياء والإماتة والرزق ، وقد بين تعالى أن ذلك